أبي الفرج الأصفهاني

121

الأغاني

وعزّة ! ما كان أوفاهما وأكرمهما وأصونهما لأنفسهما ! لقد ذكرت بهذه الأودية التي نحن فيها خبر عزّة حين خضبت كثيّرا . فقال ابن عائشة : وكيف كان حديث ذلك ؟ قلت : حدّثني من حضره بذلك - ومن ها هنا تتفق رواية عمر بن شبّة والزّبيريّ - قال : خرج كثيّر يريد عزّة وهي منتجعة بالصّواري وهي الأودية بناحية فدك ، فلما كان منها قريبا وعلم أن القوم جلسوا عند أنديتهم للحديث بعث أعرابيا فقال له : اذهب إلى ذلك الماء فإنك ترى امرأة جسيمة لحيمة تبالط الرجال الشعر - قال إسحاق : المبالطة : أن تنشد أوّل الشعر وآخره - فإذا رأيتها فناد : من رأى الجمل الأحمر ؟ مرارا . ففعل . فقالت له : ويحك قد أسمعت فانصرف إليه فأخبره . فلم يلبث أن أقبلت جارية معها طست وتور [ 1 ] وقربة ماء حتى انتهت إليه ، ثم جاءت بعد ذلك عزّة فرأته جالسا محتبيا قريبا من ذراع راحلته . فقالت له : ما على هذا فارقتك ! . فركب راحلته وهي باركة وقامت إلى لحيته فأخذت التّور فخضبته وهو على ظهر جمله حتى فرغت من خضابه ، ثم نزل فجعلا يتحدّثان حتى علق الخضاب ، ثم قامت إليه فغسلت لحيته ودهنته ، ثم قام فركب وقال : / إنّ أهل الخضاب قد تركوني موزعا مولعا بأهل الخضاب وذكر باقي الأبيات كلَّها . وإلى ها هنا رواية عمر بن شبّة . فقال ابن عائشة : فأنا واللَّه أغنيّه وأجيده ، فهل لكم في ذلك ؟ فقلنا : وهل لنا عنه مدفع ! فاندفع يغنّي بالأبيات ، فخيّل إليّ أن الأودية تنطق معه حسنا . فلمّا رجعنا إلى المدينة قصصت القصّة ، فقيل لي : إن ذلك أحسن صوت يغنّيه ابن عائشة ؟ فقلت : لا أدري إلَّا أني سمعت شيئا وافق محبّتي . معبد وابن سريج يبكيان أهل مكة بغنائهما : وقال عبد اللَّه بن أبي سعد حدّثني عبد اللَّه بن الصّبّاح عن هشام بن محمد عن أبيه قال : زار معبد ابن سريج والغريض بمكة ؛ فخرجا به إلى التّنعيم [ 2 ] ثم صاروا إلى الثّنيّة العليا ثم قالوا : تعالوا حتى نبكي أهل مكة ؛ فاندفع ابن سريج فغنّى صوته في شعر كثير بن كثير السّهميّ : أسعديني بعبرة أسراب من دموع كثيرة التّسكاب فأخذ أهل مكة في البكاء وأنّوا حتى سمع أنينهم . ثم غنّى معبد : صوت يا راكبا نحو المدينة جسرة أجدا [ 3 ] تلاعب حلقة وزماما / اقرأ على أهل البقيع من امرئ كمد على أهل البقيع سلاما كم غيّبوا فيه كريما ما جدا شهما ومقتبل الشباب غلاما ونفيسة في أهلها مرجوّة جمعت صباحة صورة وتماما

--> [ 1 ] تور : إناء صغير . [ 2 ] التنعيم : موضع بمكة على بعد فرسخين منها . ومنه يحرم المكيون بالعمرة . [ 3 ] ناقة جسرة : ضخمة . وأجد : قوية موثقة الخلق .